في هذا التقرير يكشف الصحفيان حامد مختار ومحمد الأمين أحمد عن واقع مأساوي تعيشه القاصرات ضحايا الاغتصاب والعنف الجنسي في موريتانيا في ظل غياب قانون رادع وبرامج للدعم النفسي.
__________________________________________________________________________________________________________________________________
فجأة تلاشت الضحكات التي كانت تظلل وجه الفتاة الموريتانية *منى (اسم مستعار) صاحبة الستة عشر ربيعا وانطفأ حلمها بالتفوق الدراسي وتحولت طفولتها إلى كابوس ممتد خلف أبواب منزل أسرتها المغلقة…
تروي *منى لتقصي ميديا تفاصيل الجريمة التي تعرضت لها في شهر ديسمبر من عام 2023 حيث بدأت فصول المأساة من طقس عائلي يومي معتاد وتقول:
“كان أصدقاء أخي معنا في المنزل، وكنت أنا ووالدتي نجلس أمام البيت نعد الشاي، وكلما جهز كأس يأخذه أخي ليدخله إلى أصدقائه”…
تتابع منى سرد اللحظات الفاصلة التي سبقت الاعتداء:
“بعدها ذهبت والدتي إلى السوق، وغادر أصحاب أخي وتبقى معه واحد منهم فقط، جاءني أخي وقال إنه ذاهب قليلا وأن صديقه سيظل هناك وأمرني بأن أعد له كأس شاي وأتركه على عبتة الباب دون أن أدخل وفعلت ذلك”
لم تكن الفتاة القاصر تدرك أن امتثالها لطلب شقيقها سيقودها إلى فخ لم يخطر على بالها تضيف بحسرة وبراءة:
“عندما عدت لاحقا لأخذ الكأس الفارغ، قال لي صديق أخي بأن أدخل لأخذ الكأس وعندما دخلت أمسكني بقوة وقام باغتصابي”
ظلت المأساة طي الكتمان لأسابيع إلى أن بدأت التغيرات تظهر على الفتاة التي كانت تعيش معاناة بصمت.
“لم أعد طبيعية أصبحت علامات الحمل تظهر علي، عندها سألتني والدتي وجدتني أرد عليها بسرعة : صديق أخي اغتصبني”.
تحركت العائلة قانونيا في البداية وتوجهت إلى السلطات الأمنية، تم استدعاء المشتبه به من طرف الشرطة، وهناك اعترف بجريمته لكن صلحا عائليا بين أهل الضحية وأهل المشتبه به، أنهى المسار القضائي، وخرج وكأن شيئا لم يحدث.
بعدها دخلت *منى في نفق مظلم من العزلة والإقصاء الاجتماعي ولم تعد تخرج إلى الناس.
لم تتوقف تداعيات الجريمة عند الأثر النفسي والاجتماعي بل امتدت لتصادر مستقبل الفتاة التي توقف مسارها الدراسي تماما.
أرقام مرعبة…ومخاوف من تكييف الوقائع
ليست قصة *منى سوى نموذج لظاهرة تتدحرج ككرة الثلج في موريتانيا، إذ كشفت رابطة “النساء معيلات الأسر” الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق النساء والفتيات رفقة كتل نسوية حقوقية في مؤتمر صحفي سابق عن بيانات صادمة توثق حجم الأزمة الإنسانية حيث سجلت المنظمات 941 حالة اغتصاب وأكثر من 1700 حالة عنف جسدي ونفسي خلال عام 2025 وحده.

ووفقا للمنظمات الحقوقية يواجه الضحايا في موريتانيا تحديا مزدوجا يتمثل الأول في “وصمة العار” والضغوط الاجتماعية الخانقة، بينما يكمن الثاني في معضلة “تكييف الوقائع” قانونيا.
وتوضح الهيئات الحقوقية أن الكثير من الفتيات يخشين الإبلاغ عن الاعتداءات نتيجة مخاوف حقيقية من تحول قضايا الاغتصاب في ردهات القضاء إلى تهم “زنا” موجهة ضدهن مما يعزز سياسة الإفلات من العقاب ويجبر الأسر على القبول بالتسويات العرفية.
وبالرغم من انضمام موريتانيا إلى الاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق المرأة ينتقد الحقوقيون بقاء “قانون كرامة” المخصص لمكافحة العنف ضد النساء والفتيات حبيس أدراج البرلمان دون مصادقة بسبب غياب الإرادة السياسية بالتزامن مع تهميش مؤسسي يظهر في بقاء تمثيل المرأة دون سقف 20% في مواقع صنع القرار وإقصاء المنظمات النسوية من المشاورات السياسية الكبرى حسب وصفهم.
ثغرات مدونة الطفل والبيئة العرفية الطاردة
في ذات السياق ترى الناشطة الحقوقية والنسوية السالكة احميده أن الترسانة القانونية الموريتانية تحتوي على ثغرات هيكلية واضحة.
وفي تصريح لتقصي ميديا تؤكد بنت احميده أن مدونة الحماية الجنائية للطفل تسمح للوالدين بالتنازل عن القضايا وهو ما يفتح الباب على مصراعيه للصلح والتسويات العشائرية في جرائم الاغتصاب فضلا عن ثغرة أخرى تمنح الولي حق تقدير مصلحة القاصر في الزواج دون سن 18 عاما.
وتضيف بنت احميده أن الكثير من أنواع العنف الجنسي والتحرش والاستغلال في العمل غير معرفة بوضوح في القوانين الحالية، كما أن إثبات جريمة الاغتصاب لا يزال يصطدم بطلب أربعة شهود متجاهلا الوسائل الطبية الحديثة مما يمنح القضاة سلطة تقديرية واسعة.

وتستشهد الناشطة بواقعة أدين فيها رجل باغتصاب بنات زوجته الثلاث ولم تتجاوز عقوبته السجن لثلاث سنوات وسط بطء إجراءات يقيد الملفات لسنوات.
وتصف الواقع الاجتماعي بأنه يجرم الضحية ويتهمها بالانحلال مما يدفع الأسر للتكتم معتبرة أن الحلول العرفية التي تفرض تزويج الضحية من مغتصبها جريمة مضاعفة لأن المغتصب مكانه السجن وليس قفص الزوجية تقول…
كما تنتقد بنت احميده غياب الدعم الحكومي ومراكز استقبال الضحايا التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية مع اقتصار الخدمة على مراكز خصوصية محدودة الموارد تابعة لمنظمات يواجه بعضها تضييقا وتعاونا طفيفا وانتقائيا من النيابة العامة.
الحكومة: التسوية خارج القانون جريمة
من جانبها تؤكد رئيسة المرصد الوطني لحقوق المرأة والفتاة (رسمي) فاطمة انجيان في رد على أسئلة تقصي ميديا، أن المرصد لا يمكن أن يحكم على القضاة أو يتدخل في سير العدالة، لكنه يمارس دوره الرقابي من خلال المراقبة والمتابعة والتوثيق مشيرة إلى أن المؤسسة تعمل على تحويل الاختلالات المرصودة إلى توصيات موجهة للجهات المختصة مع تقديم مؤازرة قانونية مباشرة للضحايا اللواتي يطرقن باب المرصد أو يتم رصد حالاتهن ميدانيا.

وترى بنت انجيان أن حماية الفتيات القاصرات “ليست حلما بل هدفا ممكن التحقيق” كاشفة أن أولويات المرصد خلال المرحلة المقبلة تتمثل في بناء قاعدة بيانات دقيقة حول الانتهاكات وتعزيز التنسيق مع الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني ودعم تطوير الإطار القانوني إلى جانب إطلاق حملات توعية وتقوية آليات الرصد والإحالة.
وتشير رئيسة المرصد إلى أن الأرقام المتداولة بشأن العنف الجنسي ضد القاصرات لا تعكس الحجم الحقيقي للظاهرة، بسبب الخوف والوصمة الاجتماعية ومحاولات التسوية خارج المساطر القانونية معتبرة أن الحصيلة الحقيقية ليست في الأعداد وحدها بل في خطورة هذه الجرائم وعمق أثرها النفسي والاجتماعي على الضحايا.
وتشدد بنت انجيان على أن قانون حماية النساء والفتيات ليس ترفا تشريعيا بل ضرورة إنسانية مضيفة أن التحدي الأساسي يكمن في بناء توافق مجتمعي ومؤسسي حوله.
وتقول رئيسة المرصد:
إن “التسوية خارج القانون في قضية اعتداء على قاصرة ليست حلا عائليا ولا إبقاء على الستر بل جريمة مضاعفة تطفئ صوت الضحية مرة ثانية وتمنح المعتدي جواز مرور نحو ضحايا أخريات”
الملاحقة الجنائية ومعضلة الصلح عند الشرطة
من المنظور القانوني الإجرائي يوضح المحامي الموريتاني الحسين بلال لتقصي ميديا أن المنظومة القضائية تعتمد حاليا في ظل غياب مشروع قانون كرامة على المادتين (309) و(310) من القانون الجنائي والمادة (24) من قانون الحماية الجنائية للطفل، حيث يعاقب على محاولة الاغتصاب بالأعمال الشاقة المؤقتة لمدة تصل إلى 10 سنوات وتصل العقوبة القصوى للجريمة الكاملة بين 15 و20 عاماً وتشدد العقوبة إذا كان الجاني مسؤولا عن الضحية.

ويشير بلال إلى أن القضاء يعتمد على مقاربة شرعية حيث يتولى الطب الشرعي تحديد وقوع الجريمة بناء على “رسالة تسخير” رسمية تصدرها الشرطة الوطنية وهو إجراء رئيسي في حالات إنكار المتهم.
وحول نفاذ التسويات يفرق بلال بين المراحل القضائية مؤكدا أن قانون الإجراءات لا يعتد بالصلح بمجرد وصول القضية إلى قاضي التحقيق وثبوت الاتهام بالأدلة القطعية ولا يملك القضاة أو غرف الاتهام صلاحية منح المتهم حرية مؤقتة إلا بأمر استثنائي من المحكمة العليا وتبدأ العقوبات الصارمة من 10 إلى 20 سنة.
لكن بلال يكشف عن الثغرة الإجرائية التي تفسر ما حدث في قضية “منى” مشيرا إلى أن الصلح العشائري غالبا ما يجري تمريره داخل مخافر الشرطة وقبل إحالة الملف رسميا إلى النيابة العامة وقاضي التحقيق وهو ما يجهض العدالة في مهدها ويطلق سراح الجناة بضغوط عائلية على الرغم من توفر لفيف من المحامين لتقديم المساعدة القضائية المجانية للضحايا.
وفي ظل غياب قانون رادع وبرامج توفر الحماية النفسية لضحايا العنف الجنسي في موريتانيا، تظل الفتيات القاصرات اللاتي يقعن ضحية لهذه الجريمة، يواجهن وصم المجتمع ونقص التأهيل والاندماج في المجتمع، ما يضع نهاية لمسارهن في الحياة النشطة وهن في عمر الزهور.