تقصي ميديا
في لحظة كان كثيرون يرون فيها أن مسيرتها المهنية بلغت ذروة النجاح، اختارت الموريتانية آيساتا لام أن تتوقف قليلًا، لا لتتراجع، بل لتعيد تشكيل نفسها من جديد.
فبعد سنوات من العمل في أعلى دوائر القرار السياسي والاقتصادي في موريتانيا، قررت آيساتا مغادرة موقعها الحكومي والسفر إلى الولايات المتحدة للالتحاق بـ Harvard Kennedy School، في خطوة أثارت استغراب المقربين منها قبل أن تتحول إلى قصة إلهام تتجاوز حدود الدراسة الأكاديمية.
آيساتا، التي شغلت منصب المتحدثة باسم الرئيس الموريتاني خلال حملته الانتخابية، وأسست الوكالة الموريتانية لترقية الاستثمارات، لم تكن بحاجة إلى “لقب جديد” يزين سيرتها الذاتية. فقد كانت بالفعل من أبرز الشخصيات النسائية الصاعدة في القارة الإفريقية، وعضوًا في المجلس الاستشاري للمساواة بين الجنسين لمجموعة السبع، كما اختيرت ضمن القيادات الشابة للمنتدى الاقتصادي العالمي، ونالت وسام “فارس الاستحقاق الوطني” في موريتانيا عام 2020.
ورغم هذا السجل الحافل، شعرت أن العالم يتغير بسرعة أكبر من أي وقت مضى، وأن القيادة الحقيقية تعني القدرة على التعلّم المستمر. ولهذا تقول إنها أرادت أن “تتوقف قليلًا لتعود أقوى”، وأن تطور أدواتها في التفكير وصنع القرار والتحرك الاستراتيجي.
من نواكشوط إلى كامبريدج
التحقت آيساتا ببرنامج MC/MPA في مدرسة كينيدي بجامعة هارفارد بمنحة كاملة، بصفتها زميلة “إدوارد ميسون” وزميلة مبادرة القيادة الإماراتية التابعة لمركز القيادة العامة. وكانت ترى في هارفارد بيئة تشبه القيم التي تربت عليها: السعي نحو التميز، والرغبة في إحداث فرق، وتحدي الواقع القائم مهما كانت الصعوبات.
لكن قبل انتقالها إلى مدينة كامبريدج الأمريكية في صيف 2025، فوجئت بخبر غيّر حياتها بالكامل: كانت حاملًا.
تقول آيساتا إنها شعرت بفرح عارم ممزوج بالخوف. فالدراسة في واحدة من أصعب المؤسسات الأكاديمية في العالم ليست أمرًا سهلًا، فكيف إذا تزامنت مع الحمل والأمومة؟ غير أن إدارة المدرسة سارعت إلى طمأنتها وتوفير الدعم اللازم لها، سواء خلال فترة الحمل أو بعد الولادة.
وتصف الأجواء داخل المدرسة بأنها كانت “حاضنة” بشكل استثنائي، مؤكدة أن الجميع أبدى استعدادًا لمساعدتها، من الإداريين إلى الأساتذة والطلاب.
“وجدت قريتي في الحرم الجامعي”
عندما وصلت إلى كامبريدج، رافقها زوجها وإخوتها لمساعدتها على الاستقرار. كانت متوترة، لكنها سرعان ما اكتشفت أنها ليست وحدها.
تقول: “بدأت البرنامج وأنا خائفة وقلقة، لكن بعد الأسبوع الأول أدركت أنني وجدت قريتي هنا في الحرم الجامعي”.
داخل قاعات هارفارد، لم تعد آيساتا مضطرة إلى شرح أين تقع موريتانيا في كل مرة تتحدث فيها عن بلدها، كما اعتادت في محطات كثيرة من حياتها المهنية. بل على العكس، وجدت فضولًا حقيقيًا من زملائها للتعرف على موريتانيا، حتى إن بعضهم تحول – بحسب وصفها – إلى “سفراء شرفيين” للبلد.
وكانت آيساتا أول طالبة موريتانية تلتحق بمدرسة كينيدي، وهو ما منحها شعورًا إضافيًا بالمسؤولية تجاه تمثيل بلادها والقارة الإفريقية عمومًا.
الأمومة وسط الدراسة والقيادة
خلال أشهر الحمل، تلقت آيساتا دعمًا كبيرًا من زملائها الذين كانوا يطمئنون عليها باستمرار، ويعرضون المساعدة في الطهي أو التنقل أو أي تفاصيل يومية تحتاجها.
وتقول إن هذه التجربة منحتها أيضًا منظورًا أعمق لمعاناة النساء حول العالم، خاصة النساء الإفريقيات اللواتي يواصلن العمل الشاق رغم الحمل والظروف القاسية.
وفي ديسمبر، قبل شهر واحد فقط من موعد الولادة، نظم لها زملاؤها وأساتذتها حفل استقبال للمولود الجديد، في مشهد تصفه بأنه كان “مؤثرًا بشكل يفوق الوصف”.
وعندما اقترب موعد الوضع، بعثت برسائل إلى أساتذتها تشرح فيها أنها قد تضطر إلى التغيب عن أولى المحاضرات بسبب الولادة، مؤكدة التزامها الكامل بالدراسة. لكنها فوجئت بردود مليئة بالتفهم والدعم، حيث طلب منها الأساتذة ببساطة أن تركز على ولادتها وصحتها أولًا.
وفي يناير، رزقت آيساتا بطفلها الأول، لتبدأ مرحلة جديدة في حياتها، جمعت فيها بين الأمومة والطموح المهني.
قيادة إفريقية من قلب هارفارد
بعد أسبوعين فقط من الولادة، عادت آيساتا إلى الدراسة، واستأنفت نشاطها بقوة. ومن أبرز أدوارها في تلك الفترة مشاركتها كرئيسة مشاركة لمؤتمر التنمية الإفريقية السنوي في هارفارد، حيث أشرفت على جمع التمويل، والتنسيق اللوجستي، واستضافة شخصيات إفريقية ودولية رفيعة المستوى.
وشهد المؤتمر حضور رئيس البنك الإفريقي للتنمية، ورئيس بنك التنمية لغرب إفريقيا، ومسؤولين كبار من البنك الدولي ومؤسسة التمويل الدولية، إلى جانب شخصيات سياسية واقتصادية بارزة من القارة.
لكن بالنسبة لآيساتا، لم يكن النجاح الحقيقي للمؤتمر في عدد الضيوف أو حجم الحضور، بل في ما يمكن أن يتركه من أثر دائم. ولهذا بدأت العمل على مشروع لإنشاء منحة دراسية مخصصة للطلاب الأفارقة في هارفارد، انطلاقًا من إيمانها بأن كثيرًا من المواهب الإفريقية لا تصل إلى هذه المؤسسات بسبب ضعف فرص التمويل.
“أريد لابني أن يفخر بأنه من موريتانيا”
ومع اقتراب نهاية العام الدراسي، أصبح طفل آيساتا يبلغ ثلاثة أشهر فقط، بينما كانت هي تستعد للتخرج والتفكير في المرحلة المقبلة من حياتها.
ورغم أنها لم تحسم بعد وجهتها المهنية القادمة، فإنها تؤكد أن أولوياتها أصبحت أكثر وضوحًا: لن تضحي بنفسها أو بعائلتها مهما كان المنصب أو الفرصة.
وفي الوقت نفسه، تؤكد أن التزامها تجاه موريتانيا وإفريقيا لم يتغير، بل أصبح أعمق.
تقول: “لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يجب القيام به. لكي تزدهر موريتانيا، يجب أن تزدهر إفريقيا أيضًا”.
أما الأمومة، التي كانت تخشى أن تقلل من طموحها، فقد فعلت العكس تمامًا. إذ تؤكد أن طفلها منحها دافعًا أكبر للاستمرار والعمل من أجل عالم أفضل.
وتختتم حديثها برسالة تختصر رحلتها كلها:
“كنت أعمل من أجل بلدي وقارتي وعائلتي، ومن أجل تحدي نفسي. أما الآن فأريد أن يعيش ابني في عالم أفضل، وأن يقول بثقة: أنا من موريتانيا… دون أن يضطر إلى شرح أكثر من ذلك”
المصدر جامعة كندي الأمريكية ترجمة تقصي ميديا