ترجمة تقصي ميديا من موقع مهاجر نيوز
يشهد الوضع الأمني الهش في مالي استمرار نزوح آلاف الأشخاص، حيث يضطر كثيرون لعبور الحدود نحو موريتانيا هرباً من العنف المتصاعد. ويحمل العديد من هؤلاء اللاجئين آثاراً نفسية عميقة نتيجة ما شهدوه من أحداث دامية في بلدهم، بينما يخيّم الغموض والخوف من تجدد أعمال العنف على مستقبلهم.
وخلال الشهر الماضي، أعلنت منظمة “ACLED” المتخصصة في رصد وتحليل النزاعات المسلحة، أن جماعتي “نصرة الإسلام والمسلمين” و”جبهة تحرير أزواد” شنتا هجوماً واسعاً ومنسقاً استهدف عدة مدن مالية، بينها العاصمة باماكو وكاتي وكيدال وغاو وموبتي وسيفاري.
وأدت هذه الهجمات الجديدة، ضمن نزاع مستمر منذ عام 2012 على الأقل، إلى موجة نزوح إضافية، كما بددت آمال كثير من النازحين الذين كانوا يفكرون في العودة إلى ديارهم. ولا يقتصر عدم الاستقرار على مالي وحدها، بل يمتد بدرجات متفاوتة إلى معظم منطقة الساحل.
وبحسب محللين في “ACLED”، فإن التحالف بين الجماعات المسلحة تمكن خلال الهجوم من استعادة مدينة كيدال من القوات المالية وعناصر “فاغنر” الروسية، وهو ما اعتُبر انتكاسة استراتيجية ورمزية كبيرة للسلطات العسكرية وحلفائها الروس.
الفولاني والطوارق الأكثر تضرراً
وتُعد مجموعتا الفولاني والطوارق الرحلتان من أكثر الفئات تضرراً من الأزمة المستمرة في مالي، حيث يقول أفراد من هذه المجتمعات إن الجيش المالي يشتبه بهم باستمرار ويتهمهم بالتعاطف مع الجماعات المسلحة.
ومنذ الانقلاب العسكري الذي شهدته مالي عام 2020، تبنت السلطات العسكرية نهجاً أكثر تشدداً في مواجهة الجماعات المسلحة، ما أدى إلى اتساع رقعة العمليات العسكرية وفرض واقع أمني قاسٍ في مناطق واسعة من البلاد.
ووفقاً لتحليلات “ACLED”، قُتل آلاف الأشخاص خلال السنوات الأخيرة، نصفهم تقريباً من المدنيين. وتشير التقديرات إلى أن الجيش المالي ومجموعة “فاغنر” و”فيلق إفريقيا” كانوا مسؤولين عن مقتل 918 مدنياً خلال عام 2025، مقابل نحو 232 مدنياً قُتلوا على يد جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
وقد أدى هذا العنف إلى نزوح متواصل خلال السنوات الست الماضية، وسط تصاعد مشاعر الغضب تجاه الأطراف المتهمة بارتكاب الانتهاكات.
ويُعتقد أن نحو 300 ألف شخص فروا من مالي إلى شرق موريتانيا، حيث استقر معظمهم في منطقة الحوض الشرقي الصحراوية.
اتهامات للمقاتلين الروس
وتعتمد السلطات المالية بشكل كبير على الدعم الروسي في حربها ضد الجماعات المسلحة، إذ تنشط مجموعات روسية شبه عسكرية في البلاد منذ سنوات.
لكن هذا التحالف يواجه انتقادات متزايدة من منظمات حقوقية، حيث تشير تقارير إلى ارتفاع معدلات مقتل المدنيين خلال العمليات التي تنفذها هذه المجموعات.
ويقول لاجئون ماليون في موريتانيا إنهم أُجبروا على الفرار ليس فقط بسبب الجيش المالي، بل أيضاً بسبب ما يصفونه بانتهاكات المقاتلين الروس ضد المدنيين.
شهادات صادمة من اللاجئين
وفي مخيمات اللاجئين المؤقتة داخل موريتانيا، تتداول قصص عن انتهاكات قاسية يُتهم بها مقاتلون روس وجنود ماليون.
وروت امرأة مالية، أطلقت عليها وكالة الصحافة الفرنسية اسم “شريفة”، أنها فقدت ابنها بعدما أوقفته دورية مشتركة من الجيش المالي ومقاتلين روس أثناء توجهه لبيع بضائع قرب الحدود.
وقالت إن شهوداً أخبروها بأن الجنود “قيدوا الضحايا وقطعوا رؤوسهم ثم أحرقوا البضائع التي كانوا يحملونها”، مضيفة أن السكان خافوا من الاقتراب من الجثث لساعات خوفاً من تعرضهم لكمين.
كما تحدث راعٍ من الطوارق يدعى “ندون” عن تعرضه للتعذيب بعد اعتقاله من قبل عناصر روسية، قائلاً إنهم “صبوا الماء على جسده ووضعوا أسلاكاً في أذنيه ثم مرروا تياراً كهربائياً حتى فقد الوعي”.
وأضاف أنه أُفرج عنه لاحقاً بعد دفع فدية مالية، بينما شاهد معتقلين آخرين يتعرضون للقتل.
“قبل وصول الروس كنا نعيش بسلام”
وقالت لاجئة تدعى “فاطمة” إنها تمكنت من الفرار من قريتها، لكنها لا تزال تفكر في النساء اللواتي بقين هناك.
وأضافت: “حدث لهن كل شيء باستثناء الموت… نعلم أن بعضهن تعرضن للتعذيب”، مؤكدة أن الحياة كانت أكثر هدوءاً “قبل وصول الروس”.
ومع تزايد أعداد اللاجئين القادمين إلى موريتانيا خلال الأشهر الأخيرة، يقول كثيرون إن القوات المالية والروسية كانت تمنح السكان مهلة 24 ساعة لمغادرة بعض المناطق، تحت التهديد بالقتل.
أوضاع إنسانية صعبة
وفي مدينة فصالة الحدودية، تعمل فرق منظمة “أطباء بلا حدود” على تقديم الدعم للناجين من الصدمات والانتهاكات.
وقال منسق المنظمة في المنطقة، مايورِي سافان، إن الفرق الطبية تستمع إلى شهادات عن التعذيب والعنف الجنسي وعمليات دفن أحياء.
ومع استمرار النزاع، رفعت منظمات حقوقية ملفات إلى الاتحاد الإفريقي للمطالبة بالتحقيق في الانتهاكات المنسوبة إلى القوات المالية والمقاتلين الروس.
كما تصاعدت التوترات الدبلوماسية في المنطقة، بعد اتهام موريتانيا باتباع إجراءات مشددة لمنع بعض اللاجئين الماليين من مواصلة رحلتهم نحو أوروبا.